جداوي
06-19-2009, 05:26 PM
حوار الحضارات لدى أبي حيان التوحيدي - د.عبد الكريم محمد حسين
لا شك في أن موضوع حوار الحضارات قديم قدم الحضارة نفسها، والحضارة قديمة قدم الإنسان، واختيار أبي حيان التوحيدي دون سواه اختيار يقوم على تشابه في الشروط الحضارية بيننا وبينه من غير مطابقة، لكن باتفاق في صور الأحوال، واتفاق في الضعف والتراجع، واتفاق في الهزائم أمام الفرنجة.
يضاف إلى ذلك تراجع في مناهج الاستفادة من الحضارات الناهضة بعد الحضارة العربية الإسلامية التي قضي على صورتها المنظمة نهائياً بالقضاء على الدولة العثمانية مهما يكن رأينا فيها مختلفاً ذلك أن الحضارة منجز من منجزات المدن، والمدن أنجزت الدول، لكن مقومات الحضارة هي قوم ومدنية، وثقافة، والثقافة جزء من المدنية، ومنها تنبعث مناهج التربية، ومن شروط المدنية التحضر في العلم والتقدم في المعرفة الحسية، والمعنوية، وفق نظرية الأطوار المتوازنة.
فإذا اختل التوازن بين هذه الأطوار تعرض أهل الحضارة إلى اختلال التوازن، مما يقود إلى الصراع بين التقدم والتخلف في بنيانها الداخلي، فتصبح كالشجرة جزء منها يابس وآخر حي، وهذا مرض من أمراض الحضارة يجعلها قابلة للسقوط أو الانهيار على يد الغزاة والطامعين ممن تقدموا على أهلها مادياً، ولو كانوا دونهم في حقل المعنويات، فإن كان الاختلال في التوازن شاملاً كان الانهيار فاضحاً، وتظهر المقاومة للإقناع بانعدام السقوط التام.
الحضارة تقدم في حياة الإنسان يشمل علاقته بالكون وعلاقته بأخيه الإنسان، وقوى الطبيعة،ووسائل المعرفة، وتقنيات العلم، ومنجزاته. ولعل العلم أهم مقومات الحضارة بعد القوم أو الإنسان لذلك جعلت الرسالة العربية العلم شرطاً للانتماء الحضاري إليها؛ لقول الرسول العربي (: (ليس مني إلا عالم أو متعلم ((2) ولقول علي كرم الله وجهه لكميل بن زياد النخعي رضي الله عنه (الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق ((3).
واختيار القرن الرابع الهجري دون سواه من أيام الحضارة العربية الإسلامية؛ لأنه قرن الحوار الحضاري الذي كانت ثمرته سقوط الدولة العباسية، وتمزقها إلى دويلات، بعد تمزق عرى الفكر الحضاري العربي، مما قاد إلى سقوط الحضارة العربية الإسلامية بعد بلوغها ذروة الترف والتمدن ودوام السلطان في أسرة الحكم قروناً طويلة، وغلبة العجم عليها، وبقيت حيوية الرسالة تناهض أعداءها دفاعاً عن الكيان الحضاري للأمة، فكانت حطين، وكانت عين جالوت على أيدي أقوام من غير العرب، ولو كان العرب جزءاً من وقود المعركة، وهم المغيبون عن الفعل الحضاري في الدولة بعد رحيل بني أمية، فكانت دولة بني العباس في عصرها الثاني خادمة شهوات الترف، والأفكار الوافدة التي انتهت بإنهاء حكمهم بعد انتهاء خدمتهم، كعادة الغزاة دائماً، يأكلون خدمهم قبل خصومهم الظاهرين؛ لأنهم عرفوا ضعفهم بآياته المشهورة، وهي كثرة الضرائب والبطش والفتن التي جعلت الناس يرون الخلاص بزوال تلك الدولة. فقد كان للحضارات أقوامِها وثقافاتِها ومناهجها التربوية يد كبرى في سقوط دولة بني العباس، كما كان لشيخوخة الحضارة وتعب حملة مشاعلها والقائمين على ثغورها ما يدعو إلى غلبة عوامل السقوط، ولا أقول الفناء.
وفي هذه المقالة تناوش للرؤية الحضارية عند أبي حيان، وهي إجابة عن سؤال: كيف تنتقل الحضارة من أمة إلى أمة؟ وما موقف الحضارة الناهضة من الحضارات التي ذهبت ريح قوتها تحت ضغط هدر الطاقات في الشهوات، وهدر الأموال في المتع الزائلة، وتأجير الولاة على المقاطعات لمن يدفع جباية أكثر، من غير النظر إلى القانون، أو جوهر الوعي الحضاري الكامن في مدنية الأمة وثقافتها وتربيتها وأعرافها، أو عقودها الاجتماعية؟!!!.
وفي البحث إجابة عن تساؤل: كيف كانت نظرة أبي حيان إلى حضارة العرب في الجاهلية؟! وهذا جزء من حوار الأزمنة، والأحوال، وجزء من علمانية أبي حيان وموضوعيته، وسبقه على أبناء عصره، وتقدمه في وعي مبكر أدرك به سقوط الحضارة العربية الإسلامية، بيد أنه لم يصرح بذلك، وإن أومأ؛ لانشغاله بمحاولة رتق الخرق، وجمع الكلمة، فقد كان الحوار الحضاري الداخلي موضوعه الأكبر في الإمتاع والمؤانسة، وهمه الأول، وكان هم الوزير البويهي ابن سعدان أو ابن العارض حماية نظام الحكم والتجسس على الناس (4). فكان أبو حيان يعرض عليه صور السقوط وكان الوزير يبكي لحال الأمة التي عصفت بها الفرقة والتفرق والفرق على اختلاف ألوانها وأسمائها (5).
يقدم المقال محاولة لفهم رؤية أبي حيان الحضارية من جهة نظرية وتطبيقية، وقد تجلى الحوار الحضاري في الإمتاع والمؤانسة بالموازنة بين الأمم بالنظر إلى أنها حاملة الحضارة وصانعتها، وذلك واضح في الليلة السادسة من ليالي الإمتاع والمؤانسة.
وكذلك الحوار بين الحضارة اليونانية والحضارة العربية الإسلامية من جهة المناظرة بين الحكمة اليونانية والشريعة الإسلامية، والمناظرة بين النحو العربي والمنطق اليوناني كما في الليلة الثامنة من ليالي الإمتاع، وموقف أبي حيان المستوحى من جوهر الرسالة العربية الإسلامية، ومن موقف شيخه العظيم أبي سليمان المنطقي. في هذا الموقع تتعانق الرؤية والمواقف والمنافع، فتتفق حيناً وتختلف أحياناً، وتأخذ ريحها وروحها ورائحتها من حركة الحياة الدائرة، وطبيعة منطقها القائم على نظام التداول: (وتلك الأيام نداولها بين الناس) (6) ويستقيم المرء حيناً على جوهر رؤيته، ويميل أحياناً، بيد أنه يظل يشعر أنه إنما يخرج عليها خروج المضطر على قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات، وهو يريد الانبعاث من جوهر الرؤية وأصلها الذي يجعل الأصل في الأشياء الإباحة؛ فإذا ما بدا لك خروجه على حدود الرؤية فعليك أن تبحث عن ضوابط الخروج ودوافعه في إطار نظرية من التفسير الصوفي للرؤية الكلية التي تجعل نية المؤمن خيراً من عمله، وكلمته خيراً من موقفه، وقلبه خيراً من ظاهره، وتجعل مجاهدة النفس خيراً من جهاد الخصوم، والاطمئنان إلى الخيال والأوهام خيراً من مواجهة الواقع والسعي إلى تغييره، والاكتفاء بالنظر إليه لتشخيصه وتفسيره بطرق مباشرة، أو مواربة، والسير في ذلك كله مع قدر الله المقدر على الناس خيراً من دفع القدر بالقدر، والفرار من المواجهة على جبهة الخصوم إلى الله بالمسكنة والدعاء والخضوع للأعداء زهداً وتصوفاً على طريقة إذا أحد شد ثوبك فأعطه الثوب كله، وعلى منهج أن الله يعاقب العصاة بالطغاة، والخضوع لهم من باب تنفيذ قدر الله في الناس. وذلك وفق طاقات الفرد والجماعة..
في ضوء هذه الحقائق لا بد من تناول أهل التاريخ بعموم يشير إلى نظرة أبي حيان للدورة الحضارية بين الأمم وأثرها في عقول أبنائها عند بدايتها ونهوضها، وعند سقوطها وذبولها، وظهور البشر والقوة عند إقبالها، والحزن والضعف في إضمارها. وفي ضوء هذه الحقيقة لابد من الإشارة إلى أن مواقف أبي حيان من الفرق الإسلامية نابعة أصلاً من شعوره بخطورة التحول الحضاري من الوحدة إلى الفرقة، ومن الدين الجامع إلى المذهب، ومن الدولة الواحدة إلى دول الأسر المتصارعة.
وهذا يعد قاعدة تسوغ مواقف أبي حيان من أهل التاريخ الذين لم يموتوا بغير أجسامهم، وظل الناس دهراً طويلاً يصلحون لهم أفكارهم ومواقفهم، أو يزينونها للحياة ظناً منهم أن التاريخ يعيد نفسه، وما تتغير لديهم سوى صور الأشخاص، وأسماؤهم أحياناً، وتبقى الروح واحدة. وليس أبو حيان إلا واحداً من أبناء زمانه، فقد أسهم معهم في كل ما فعلوه في إعادة بناء صورة الماضي لشدة علاقتها بما يجري بأيامه، فأبدى موقفه من الدورة الحضارية وموقع العرب بين الأمم، وأماط اللثام عن رؤيته للدولة الأموية والعباسية في عهود قوتها، وأبدى صوراً شتى للفرق الإسلامية المتعددة، فماذا قال...؟
* العرب والحضارة:
تناول أبو حيان مسألة الدورة الحضارية في سياق إجابته عن سؤال الوزير، أتفضل العرب على العجم أم تفضل العجم على العرب؟ وكانت خلاصة الليلة أن أبا حيان فضل العرب على سائر الأمم باضطرار الفطرة واختيار الفكرة (7)، أو العقل والدين (8)، وبين أن تفضيل أمة من الأمم في صفة أو أكثر لا يعني أن هذه الصفة لكل واحد من أفرادها، بل هي الشائعة في عموم أبنائها (9).
ولبيان سبب اختلاف العرب الحاضرين في عصره بوعيهم وشيمهم عن الذين وصل إلينا من التاريخ خبرهم، جاءنا أبو حيان بقوله:
((وهاهنا شيء آخر، وهو أصل كبير لا يجوز أن يخلو كلامنا من الدلالة عليه، والإيماء إليه. وهو أن كل أمة، لها زمان على ضدها. وهذا بين مكشوف إذا أرسلت وهمك في دولة يونان والإسكندر... ولهذا قال أبو مسلم صاحب الدولة حين قيل له: أي الناس وجدتهم أشجع، فقال: كل أناس في إقبال دولتهم شجعان.
وقد صدق؛ وعلى هذا كل أمة في مبدأ سعادتها أفضل وأنجد وأشجع، وأمجد وأسخى وأجود وأخطب، وأنطق وأرأى وأصدق؛ وهذا الاعتبار ينساق من شيء عام لجميع الأمم، إلى شيء شامل لأمة أمة، إلى شيء حاو لطائفة طائفة، إلى شيء غالب على قبيلة قبيلة، إلى شيء معتاد في بيت بيت، إلى شيء خاص بشخص شخص، وإنسان إنسان؛ وهذا التحول من أمة إلى أمة، يشير إلى فيض جود الله تعالى على جميع بريته وخليقته بحسب استجابتهم لقبوله، واستعدادهم على تطاول الدهر في نيل ذلك من فضله" (10).
فالحضارة تتحول من أمة إلى أمة وأراد بالأمة القوم كالفرس، والعرب والروم وذلك بحسب استعداد الأمة، وقدرتها على الاستجابة لنداء الحضارة، وهي عرضة لكل أمة، فإذا جاء زمانها، وتمت الاستجابة قامت الغلبة على ضعفها القديم، وعلى ضدها من الأمم، وفقاً لقوله تعالى: (وتلك الأيام نداولها بين الناس) (11) فتنهار الحضارة عند أمة، وتنهض بها أمة أخرى، فإذا بدأ انحسارها يكون أطواراً، فينحسر الوعي الحضاري من الأمة إلى الطائفة وأراد بالطائفة المجموعة من الناس الذين يجمعهم اجتهاد فكري واحد وينكمش بعد ذلك من الطائفة إلى القبيلة، ومن القبيلة إلى البيت الواحد، ومن البيت إلى الشخص الواحد، ثم يكون التحول إلى أمة أخرى.
ومما جاد به أبو حيان أن الأمم في أوان غلبتها الحضارية تكون متفوقة في القوة المادية بأنحائها كلها، وبالقوى المعنوية بالغة بها تمام العطاء في جميع جهات البناء، فإذا غادرت زمن نهضتها تلاشت هذه المعالم شيئاً فشيئاً على نحو ما سلف.
ومما يلفت النظر أن حركة الاستجابة مرتبطة باستعداد الأمة، وبتوفيق الله لها ببذل المجهود لمعالجة العطاء الحضاري الرباني. وفي قوله استجابة الأمة إشارة ضمنية إلى الرسل والأنبياء، فإذا انقضى زمن النبوة جاء زمن العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وإذا لم يكونوا ظاهرين جاء زمن المصلحين (طوائف، وقبائل، وأسر، وأفراد) حتى لا يبقى إلا القليل من الأفراد، فتنطبق نقطة النهاية على نقطة البداية، فيتوهم المصلحون أن رتبتهم كرتبة الأنبياء، وأن معاودة النهوض ممكنة لمن أخذ بقيم النهوض الأولى في إطار الحنين إلى الماضي، وذلك بمحاكاة حركة النهوض بالانتقال (من الفرد إلى الأسرة، ومن الأسرة إلى القبيلة، ومن القبيلة إلى الطائفة أو الجماعة أو الحزب، ومن الطائفة إلى الدولة، ومن الدولة إلى الأمة الجامعة للقوميات) أو بقيم نهوض أخرى استجابت لها أمم الغالبين في عصرهم، مع جهل الفريقين بحقيقة توفيق الله الأمة لتوجيه الأفراد باستجابة تامة على شيء من العناد والمقاومة لدى بعض أبنائنا ممن مازالوا رهائن السياق الحضاري السابق، مما يعود إلى مقدار استعدادها، أو قدرتها على التقبل.
ففي ضوء هذا الفهم للحضارة ذهب أبو حيان إلى تفضيل العرب على جميع الأمم في حال جاهليتهم، وفي حال استجابتهم للجود الإلهي بحضارة الإسلام (نهوضهم). ودليل ذلك مبثوث على وجه ظاهر في الليلة السادسة من كتاب الإمتاع والمؤانسة، مما يجعل هذه الإشارة كافية.
مما تقدم يمكن للمرء أن يضع في حسابه أن ما قدمه أبو حيان من نقد للطوائف الإسلامية التي يظن أنه قد آل إليها مشعل الحضارة، يقع في إطار الإقرار بالانتقال (السقوط) من وعي الأمة إلى وعي الطائفة المقنعة بقناع الدين تارة، وبقناع القومية تارة أخرى، وبعباءة القبيلة أو العشيرة تارة ثالثة؛ مما يشير إلى رتبة أدنى في الانهيار الحضاري إلى أن يصل السقوط مداه فلا يبقى في إطار الوعي الحضاري سوى عدد من الأفراد الذين تعجز صيحاتهم عن وقف السقوط عند حد من الحدود الدنيا، فماذا قال أبو حيان في كل طور من أطوار السقوط؟ ماذا قال للساقطين؟ وماذا قال للمقاومين في غير زمن الاستجابة؟!
*عرب الجاهلية:
الحديث عن عرب الجاهلية حديث عن أمة تستعد لتقبل الجود الإلهي، والتحول الحضاري من الشتات إلى التوحد، ومن القيود إلى الحرية، ومن الفوضى إلى الالتزام والمسؤولية، ومن هدر الطاقات إلى اجتماعها راية وقيادةً، وفكرة ودعوة، وحركة وانقلاباً شاملاً في الحياة ولها.
فهي صيحة البداية التي تنام عليها نقطة النهاية، وحديث عن أمة العرب بمعنى الجنس، وحديث عن استعداد الجميع للنهوض من الأمة إلى الفرد، ومن الفرد إلى الأمة، من غير أن ينفي ذلك وجود أنصار للمرحلة السابقة ممن تأخر وعيهم باليقظة فلم يهجروا السبات الطويل إلا متأخرين، أو ممن لم يجدوا في أنفسهم قدرة على الاستجابة لنداء الجود فكانوا من المحرومين نعمة الوعي الحضاري.
إن الحديث عن العرب ونصرة أبي حيان لهم في جاهليتهم وإسلامهم يتناول العرب دولاً وأمماً، وشعوباً، وقبائل، وأفراداً، ولغةً، وتاريخاً، وعقيدة وشريعة، مما يحتاج إلى موسوعات تسع هذا الرصيد الضخم في كل جهة من جهات القوة والضعف. ويكفي هنا الإشارة الدالة إلى حديث أبي حيان عنهم موازناً بين العرب والأمم الأخرى في الجاهلية، فساق للوزير البويهي ثناء ابن المقفع الرجل الفارسي على عرب الجاهلية، وقد تساءل في سوق المربد: أي الأمم أعقل؟!! فظنه الحاضرون يريد الفرس، فلم يجد إجابة شافية عندهم، فردوا الأمر إليه، فأجاب:
((قال: العرب... ف والله لوددت أن الأمر ليس لكم ولا فيكم، ولكن كرهت إن فاتني الأمر أن يفوتني الصواب، ولكن لا أدعكم حتى أبين لكم لم قلت ذلك؛ لأخرج من مظنة المداراة، وتوهم المصانعة: إن العرب ليس لها أول تؤمه، ولا كتاب يدلها، أهل بلد قفر، ووحشة من الإنس، احتاج كل واحد منهم في وحدته إلى فكره ونظره وعقله.
وعلموا أن معاشهم من نبات الأرض فوسموا كل شيء بسمته، ونسبوه إلى جنسه، وعرفوا مصلحة ذلك في رطبه ويابسه، وأوقاته وأزمنته، وما يصلح منه في الشاه والبعير.
ثم نظروا إلى الزمان واختلافه فجعلوه ربيعياً وصيفياً، وقيظياً وشتوياً، ثم علموا أن شربهم من السماء، فوضعوا لذلك الأنواء؛ وعرفوا تغير الزمان فجعلوا له منازله من السنة؛ واحتاجوا إلى الانتشار في الأرض، فجعلوا نجوم السماء أدلة على أطراف الأرض وأقطارها، فسلكوا بها البلاد؛ وجعلوا بينهم شيئاً ينتهون به عن المنكر، ويرغبهم في الجميل، ويتجنون به على الدناءة، ويحضهم على المكارم؛ حتى إن الرجل منهم وهو في فج من الأرض يصف المكارم فما يبقي من نعتها شيئاً، ويسرف في ذم المساوئ فلا يقصر؛ ليس لهم كلام إلا وهم يحاضون على اصطناع المعروف، ثم حفظ الجار، وبذل المال، وابتناء المحامد. كل واحد منهم يصيب ذلك بعقله، ويستخرجه بفطنته وفكرته فلا يتعلمون ولا يتأدبون، بل نحائز مؤدبة، وعقول عارفة؛ لذلك قلت لكم: إنهم أعقل الأمم، لصحة الفطرة، واعتدال البنية، وصواب الفكرة، وذكاء الفهم)) (12)
فأبو حيان يقر القاعدة الكلية التي ينبغي أن تكون أصلاً للتفاضل بين الأم، ألا وهي العقل، وجاء بالأدلة التي تؤكد تعقل العرب، وتبين الجود الإلهي الذي جعل العرب في ظروف مكانية ومناخية وإنسانية تعينهم على استعداد لتلقي مكارم الأخلاق، التي نادت الحضارة العربية الإسلامية بها، فقد اهتدى العرب قبل الوحي إلى أولياتها، وتطلعت أنفسهم وأشواقهم إليها، فلما نادتهم الرسالة أسرع أهل اليقظة منهم إليها.
أعان العرب على الاستعداد للانتقال من طورهم الحضاري القديم إلى الطور الجديد الشرط الحضاري الذي كانوا يعيشون فيه، فهم أمة ليس لها تاريخ حضاري شامخ فوق الأرض كآثار الفراعنة أو اليونان أو الرومان ليقتدوا بها، وليس لهم كتاب سماوي ليهتدوا به كاليهود والنصارى، وكانت استجابتهم للرسالات السماوية قبل الإسلام نادرة، ولم تكن عامة، وليس لهم كتاب بمعنى العلم المقيد في القرطاس، ليعودوا إليه كلما اعتاص عليم شأن من شؤون حياتهم كاليونان، وهم فوق ذلك أهل بلد قفر يمتنع فيها قيام العمران. والمدنية تتبع العمران، لانتفاء شروط قيام الحضارة الأساسية، وأولها الماء والنبات والتربة الخصبة التي تكون مثابة للناس، وبها تقوم الحضارة، وليس من هذه الشروط ما يكفي للنهوض الحضاري.
فمن هذه الرؤية تعلو قيمة العلوم عند عرب الجاهلية. فهم عرفوا أن معاشهم من نبات الأرض فقاموا بتسمية النباتات، وتصنيفها، وعرفوا ما يكون غذاء وما يكون دواء لهم أو لأنعامهم ما كان رطباً منه أو يابساً. ومن علومهم ما يدعى علوم الفلك في تقسيم السنة إلى فصول، ومعرفة الكواكب والنجوم، واستخدامها علامات هادية لهم على الأرض، وهي في السماء، يضاف إلى ذلك إدراكهم للشيم الحميدة والمكارم على انقطاع الحياة بهم في ذلك المكان القفر.
فسرد أبو حيان على لسان ابن المقفع هذه الظواهر، وهي التي أحوجت كل واحد منهم إلى إعمال فكره وعقله للخلاص بنفسه وبمن حوله ممن يعول، مما هم فيه من ضيق، وهذا من باب جود الله لتهيئتهم لتقبل النهوض الحضاري القادم، فقال مبيناً ذلك ومسوغاً لتعقلهم بقوله في كل واحد منهم: (يصيب ذلك بعقله، ويستخرجه بفطنته وفكرته، فلا يتعلمون ولا يتأدبون بل نحائز مؤدبة وعقول عارفة.. لصحة الفطرة واعتدال البنية وذكاء الفهم). فهما جانبان جانب ذاتي اختياري وآخر فطري يتعلق بالجبلة (نحائز مؤدبة) وليست مكتسبة بالتعلم كما في يونان مثلاً، وعقول عارفة بغير كتاب يهديها كأمم أهل الكتاب، لكنها صحة الفطرة واعتدال البنية مما يأتي به التوفيق الإلهي بتأثير البيئة، وإلحاح الحاجة، وذكاء الفهم.
ودفع أبو حيان شيئاً من حجج الشعوبية التي جاء بها الجيهاني فقال أبو حيان فيه: ((وهو يسب العرب، ويتناول أعراضها، ويحط من أقدارها، ويقول: يأكلون اليرابيع والضباب والجرذان والحيات.. قال: ولهذا كان كسرى يسمي ملك العرب: (سكان شاه) أي ملك الكلاب، قال: وهذا لشدة شبههم بالكلاب وجرائها، والذئاب وأطلائها، وكلاماً من هذا الصوب)) (13)
هذا قول منسوب لكسرى يذم أكل العرب، وأوطانهم، ويشبههم بالكلاب والذئاب، وهو كلام يتناوله أبو حيان بالمعالجة العلمية، إذ يقول: ((أتراه لا يعلم لو نزل ذلك القفر وتلك الجزيرة وذلك المكان الخاوي، وتلك الفيافي، والموامي كل كسرى في الفرس، وكل قيصر في الروم، وكل بلهور كان بالهند.. ما كانوا يعدون هذه الأحوال؛ لأن من جاع أكل ما وجد.. حباً للحياة وطلباً للبقاء)) (14).
فالضرورة التي تهدد حياتهم وبقاءهم دفعتهم لأكل أكلوا، ولو أن ملوك العالم وضعوا في بيئات العرب ما فعلوا أكثر مما فعله العرب. وإذا تغير شرط الضرورة فللعرب شأن آخر، يكشف عنه أبو حيان بقوله:
((على أن العرب رحمك الله أحسن الناس حالاً وعيشاً إذا جادتهم السماء، وصدقتهم الأنواء؛ وازدانت الأرض فهدلت الثمار، وطردت الأودية، وكثر اللبن والإقط... وفكوا الأسرى... وتنافسوا المعروف... على جاهليتهم الأولى والثانية) (15)
هنا يكون موضع التفاضل عند القدرة على الاختيار، وليس في مواضع الاضطرار التي أشار إليها الشعوبيون، وهنا أيضاً تبرز مدنية العرب في الجاهلية، وهي المدنية التي كانت وعاء لاحتواء حضارة الرسالة الخاتمة.
ويرصد أبو حيان حال العرب عندما جاء وقت نهوضهم الحضاري، بقوله: ((وقد رأيت حين هبت ريحهم، وأشرقت دولتهم بالدعوة، وانتشرت دعوتهم بالملة، وعزت ملتهم بالنبوة، وغلبت نبوتهم بالشريعة، ورسخت شريعتهم بالخلافة، ونضرت خلافتهم بالسياسة الدينية والدنيوية، كيف تحولت محاسن جميع محاسن الأمم إليهم؟ وكيف وقعت فضائل الأجيال عليهم من غير أن طلبوها وكدحوا في حيازتها، أو تعبوا في نيلها، بل جاءتهم هذه النوادر من المآثر عفواً، وقطنت بين أطناب بيوتهم سهواً رهواً، وهكذا يكون كل شيء تولاه الله بتوفيقه، وساقه إلى أهله بتأييده، وحلى مستحقيه باختياره، ولا غالب لأمر الله، ولا مبدل لحكم الله...)) (16)
وهذا يؤكد حقيقتين: الأولى أن الله عز وجل يعرض الحضارة على الأمم، فمن تخيرها وكان قادراً (قدرة الاستعداد والطاقة والاجتهاد) على حمل مشعلها، ومستجيباً لمقتضياتها جاءته الحضارة فبدت للآخرين شراً أريد بالعرب، وكان مقدمات لخير كثير جاد به العرب، وجاءهم بهذا الاستحقاق وهذا الاختيار منهم ولهم، وبهذا الفضل وقعت محاسن الأمم عليهم التمسها المؤرخون برحم الفاتحين العرب، والتمستها الأمم بالفضائل التي كانت من فضائلها محمولة في قلوب الفاتحين وسلوكهم. وهذا يدل على حسن اختيار العرب حملة الرسالة، فقد أخذوا فضائل الأمم أي حضاراتها (المدنية) ولم يأخذوا كل ما وقع تحت أنظارهم؛ ذلك أن الحضارات القديمة فيها فضائل تحمي بقاءها خالدة، وفيها أمراض وعيوب تحمل عوامل فنائها، فاجتنب العرب بداية عوامل الفناء، وتعلقوا بعوامل البقاء فدام سلطانهم زمناً طويلاً، وزال عنهم عندما أخذوا بعوامل الفناء، ولا معنى لقول الجيهاني:
((مما يدل على شرفنا وتقدمنا وعزنا وعلو مكاننا، أن الله أفاض علينا النعم، ووسع لدينا القسم، وبوأنا الجنان والأرياف، ونعمنا وأترفنا. ولم يفعل هذا بالعرب، بل أشقاهم وعذبهم، وضيق عليهم وحرمهم، وجمعهم في جزيرة حرجة... وبهذا يعلم أن المخصوص بالنعمة والمقصود بالكرامة فوق المقصود بالإهانة)) (17) فقد غاب عنه أن هذا الأمر كان باباً لتحريك العقول وزيادة الفطنة، ولم يكن كما يقول أبو حيان مقياساً للتفاضل بين الأمم من جهة أنه لا اختيار فيه، و((أن المدار على العقل الذي من حرمه فهو أنقص من كل فقير، وعلى الدين الذين من عري منه فهو أسوأ حالاً من كل موسر...)) (18)
فأبو حيان يرى أن التفاضل إنما يقوم في الأمور الاختيارية، وليس فيما لا خيار للإنسان فيه، فليس في انتماء الإنسان إلى عرق من عروق البشر فضيلة في نفسه؛ لأنه لم يتخير عرقه بنفسه بل أكره عليه، وليس الإنسان متخيراً وطنه قبل أن يولد، بل كان ذلك من الاضطرار، وليس من جهة الاختيار، فأبطل التفاضل فيما لا اختيار فيه، وأرسى مفهوم التكيف مع البيئة التي يوجد فيها الإنسان، وجعل الفضل يعود إلى حسن التدبير في سبيل الحفاظ على تيار الحياة، بالتماس قوانين البقاء.
بهذا القول يتبين أن العرب في الجاهلية كانوا يصنعون بقدر الله لتلقي مشعل الحضارة، وأنهم هبوا في كل جهات القيم المادية والمعنوية، جمعوا فضائل الأمم من الحضارات التي عرفوها قبل الرسالة، أو التي غلبوا على قيادها بالفتح، فروح الخير واحدة من أي جهة أتت، وأبو حيان لا يفرق بين الأمم وحضاراتها على طريقة الشعوبية. واصل نظرته مبني على المساواة بين الأمم (19). وقوله في الأمة الناهضة يقع على دولة الرسول ودول الخلفاء الراشدين. مما يقتضي الحديث عن دولة بني أمية على أنها دولة هبة لاحقة لكنها تعد من أواخر هبات الحضارة العربية التي فجرتها دعوة الرسول، فكيف نظر أبو حيان إليها؟ وهل هي طور من أطوار الانتقال من وعي الأمة على وعي الطوائف والقبائل؟ هل كانت ذروة اكتمال البناء، أو أنها كانت خطوة في الانتكاس إلى الوراء، وبذرة داعية إلى الفناء؟ هل كانت طوراً ممهداً للانهيار والسقوط؟ وهل تسقط الحضارة بانهيار الدولة؟ أين تقع الدولة الأموية في المقياس الحضاري لأبي حيان؟ متى ترتفع قيمتها الحضارية؟ ومتى تسقط قيمتها التاريخية؟
لا شك في أن موضوع حوار الحضارات قديم قدم الحضارة نفسها، والحضارة قديمة قدم الإنسان، واختيار أبي حيان التوحيدي دون سواه اختيار يقوم على تشابه في الشروط الحضارية بيننا وبينه من غير مطابقة، لكن باتفاق في صور الأحوال، واتفاق في الضعف والتراجع، واتفاق في الهزائم أمام الفرنجة.
يضاف إلى ذلك تراجع في مناهج الاستفادة من الحضارات الناهضة بعد الحضارة العربية الإسلامية التي قضي على صورتها المنظمة نهائياً بالقضاء على الدولة العثمانية مهما يكن رأينا فيها مختلفاً ذلك أن الحضارة منجز من منجزات المدن، والمدن أنجزت الدول، لكن مقومات الحضارة هي قوم ومدنية، وثقافة، والثقافة جزء من المدنية، ومنها تنبعث مناهج التربية، ومن شروط المدنية التحضر في العلم والتقدم في المعرفة الحسية، والمعنوية، وفق نظرية الأطوار المتوازنة.
فإذا اختل التوازن بين هذه الأطوار تعرض أهل الحضارة إلى اختلال التوازن، مما يقود إلى الصراع بين التقدم والتخلف في بنيانها الداخلي، فتصبح كالشجرة جزء منها يابس وآخر حي، وهذا مرض من أمراض الحضارة يجعلها قابلة للسقوط أو الانهيار على يد الغزاة والطامعين ممن تقدموا على أهلها مادياً، ولو كانوا دونهم في حقل المعنويات، فإن كان الاختلال في التوازن شاملاً كان الانهيار فاضحاً، وتظهر المقاومة للإقناع بانعدام السقوط التام.
الحضارة تقدم في حياة الإنسان يشمل علاقته بالكون وعلاقته بأخيه الإنسان، وقوى الطبيعة،ووسائل المعرفة، وتقنيات العلم، ومنجزاته. ولعل العلم أهم مقومات الحضارة بعد القوم أو الإنسان لذلك جعلت الرسالة العربية العلم شرطاً للانتماء الحضاري إليها؛ لقول الرسول العربي (: (ليس مني إلا عالم أو متعلم ((2) ولقول علي كرم الله وجهه لكميل بن زياد النخعي رضي الله عنه (الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق ((3).
واختيار القرن الرابع الهجري دون سواه من أيام الحضارة العربية الإسلامية؛ لأنه قرن الحوار الحضاري الذي كانت ثمرته سقوط الدولة العباسية، وتمزقها إلى دويلات، بعد تمزق عرى الفكر الحضاري العربي، مما قاد إلى سقوط الحضارة العربية الإسلامية بعد بلوغها ذروة الترف والتمدن ودوام السلطان في أسرة الحكم قروناً طويلة، وغلبة العجم عليها، وبقيت حيوية الرسالة تناهض أعداءها دفاعاً عن الكيان الحضاري للأمة، فكانت حطين، وكانت عين جالوت على أيدي أقوام من غير العرب، ولو كان العرب جزءاً من وقود المعركة، وهم المغيبون عن الفعل الحضاري في الدولة بعد رحيل بني أمية، فكانت دولة بني العباس في عصرها الثاني خادمة شهوات الترف، والأفكار الوافدة التي انتهت بإنهاء حكمهم بعد انتهاء خدمتهم، كعادة الغزاة دائماً، يأكلون خدمهم قبل خصومهم الظاهرين؛ لأنهم عرفوا ضعفهم بآياته المشهورة، وهي كثرة الضرائب والبطش والفتن التي جعلت الناس يرون الخلاص بزوال تلك الدولة. فقد كان للحضارات أقوامِها وثقافاتِها ومناهجها التربوية يد كبرى في سقوط دولة بني العباس، كما كان لشيخوخة الحضارة وتعب حملة مشاعلها والقائمين على ثغورها ما يدعو إلى غلبة عوامل السقوط، ولا أقول الفناء.
وفي هذه المقالة تناوش للرؤية الحضارية عند أبي حيان، وهي إجابة عن سؤال: كيف تنتقل الحضارة من أمة إلى أمة؟ وما موقف الحضارة الناهضة من الحضارات التي ذهبت ريح قوتها تحت ضغط هدر الطاقات في الشهوات، وهدر الأموال في المتع الزائلة، وتأجير الولاة على المقاطعات لمن يدفع جباية أكثر، من غير النظر إلى القانون، أو جوهر الوعي الحضاري الكامن في مدنية الأمة وثقافتها وتربيتها وأعرافها، أو عقودها الاجتماعية؟!!!.
وفي البحث إجابة عن تساؤل: كيف كانت نظرة أبي حيان إلى حضارة العرب في الجاهلية؟! وهذا جزء من حوار الأزمنة، والأحوال، وجزء من علمانية أبي حيان وموضوعيته، وسبقه على أبناء عصره، وتقدمه في وعي مبكر أدرك به سقوط الحضارة العربية الإسلامية، بيد أنه لم يصرح بذلك، وإن أومأ؛ لانشغاله بمحاولة رتق الخرق، وجمع الكلمة، فقد كان الحوار الحضاري الداخلي موضوعه الأكبر في الإمتاع والمؤانسة، وهمه الأول، وكان هم الوزير البويهي ابن سعدان أو ابن العارض حماية نظام الحكم والتجسس على الناس (4). فكان أبو حيان يعرض عليه صور السقوط وكان الوزير يبكي لحال الأمة التي عصفت بها الفرقة والتفرق والفرق على اختلاف ألوانها وأسمائها (5).
يقدم المقال محاولة لفهم رؤية أبي حيان الحضارية من جهة نظرية وتطبيقية، وقد تجلى الحوار الحضاري في الإمتاع والمؤانسة بالموازنة بين الأمم بالنظر إلى أنها حاملة الحضارة وصانعتها، وذلك واضح في الليلة السادسة من ليالي الإمتاع والمؤانسة.
وكذلك الحوار بين الحضارة اليونانية والحضارة العربية الإسلامية من جهة المناظرة بين الحكمة اليونانية والشريعة الإسلامية، والمناظرة بين النحو العربي والمنطق اليوناني كما في الليلة الثامنة من ليالي الإمتاع، وموقف أبي حيان المستوحى من جوهر الرسالة العربية الإسلامية، ومن موقف شيخه العظيم أبي سليمان المنطقي. في هذا الموقع تتعانق الرؤية والمواقف والمنافع، فتتفق حيناً وتختلف أحياناً، وتأخذ ريحها وروحها ورائحتها من حركة الحياة الدائرة، وطبيعة منطقها القائم على نظام التداول: (وتلك الأيام نداولها بين الناس) (6) ويستقيم المرء حيناً على جوهر رؤيته، ويميل أحياناً، بيد أنه يظل يشعر أنه إنما يخرج عليها خروج المضطر على قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات، وهو يريد الانبعاث من جوهر الرؤية وأصلها الذي يجعل الأصل في الأشياء الإباحة؛ فإذا ما بدا لك خروجه على حدود الرؤية فعليك أن تبحث عن ضوابط الخروج ودوافعه في إطار نظرية من التفسير الصوفي للرؤية الكلية التي تجعل نية المؤمن خيراً من عمله، وكلمته خيراً من موقفه، وقلبه خيراً من ظاهره، وتجعل مجاهدة النفس خيراً من جهاد الخصوم، والاطمئنان إلى الخيال والأوهام خيراً من مواجهة الواقع والسعي إلى تغييره، والاكتفاء بالنظر إليه لتشخيصه وتفسيره بطرق مباشرة، أو مواربة، والسير في ذلك كله مع قدر الله المقدر على الناس خيراً من دفع القدر بالقدر، والفرار من المواجهة على جبهة الخصوم إلى الله بالمسكنة والدعاء والخضوع للأعداء زهداً وتصوفاً على طريقة إذا أحد شد ثوبك فأعطه الثوب كله، وعلى منهج أن الله يعاقب العصاة بالطغاة، والخضوع لهم من باب تنفيذ قدر الله في الناس. وذلك وفق طاقات الفرد والجماعة..
في ضوء هذه الحقائق لا بد من تناول أهل التاريخ بعموم يشير إلى نظرة أبي حيان للدورة الحضارية بين الأمم وأثرها في عقول أبنائها عند بدايتها ونهوضها، وعند سقوطها وذبولها، وظهور البشر والقوة عند إقبالها، والحزن والضعف في إضمارها. وفي ضوء هذه الحقيقة لابد من الإشارة إلى أن مواقف أبي حيان من الفرق الإسلامية نابعة أصلاً من شعوره بخطورة التحول الحضاري من الوحدة إلى الفرقة، ومن الدين الجامع إلى المذهب، ومن الدولة الواحدة إلى دول الأسر المتصارعة.
وهذا يعد قاعدة تسوغ مواقف أبي حيان من أهل التاريخ الذين لم يموتوا بغير أجسامهم، وظل الناس دهراً طويلاً يصلحون لهم أفكارهم ومواقفهم، أو يزينونها للحياة ظناً منهم أن التاريخ يعيد نفسه، وما تتغير لديهم سوى صور الأشخاص، وأسماؤهم أحياناً، وتبقى الروح واحدة. وليس أبو حيان إلا واحداً من أبناء زمانه، فقد أسهم معهم في كل ما فعلوه في إعادة بناء صورة الماضي لشدة علاقتها بما يجري بأيامه، فأبدى موقفه من الدورة الحضارية وموقع العرب بين الأمم، وأماط اللثام عن رؤيته للدولة الأموية والعباسية في عهود قوتها، وأبدى صوراً شتى للفرق الإسلامية المتعددة، فماذا قال...؟
* العرب والحضارة:
تناول أبو حيان مسألة الدورة الحضارية في سياق إجابته عن سؤال الوزير، أتفضل العرب على العجم أم تفضل العجم على العرب؟ وكانت خلاصة الليلة أن أبا حيان فضل العرب على سائر الأمم باضطرار الفطرة واختيار الفكرة (7)، أو العقل والدين (8)، وبين أن تفضيل أمة من الأمم في صفة أو أكثر لا يعني أن هذه الصفة لكل واحد من أفرادها، بل هي الشائعة في عموم أبنائها (9).
ولبيان سبب اختلاف العرب الحاضرين في عصره بوعيهم وشيمهم عن الذين وصل إلينا من التاريخ خبرهم، جاءنا أبو حيان بقوله:
((وهاهنا شيء آخر، وهو أصل كبير لا يجوز أن يخلو كلامنا من الدلالة عليه، والإيماء إليه. وهو أن كل أمة، لها زمان على ضدها. وهذا بين مكشوف إذا أرسلت وهمك في دولة يونان والإسكندر... ولهذا قال أبو مسلم صاحب الدولة حين قيل له: أي الناس وجدتهم أشجع، فقال: كل أناس في إقبال دولتهم شجعان.
وقد صدق؛ وعلى هذا كل أمة في مبدأ سعادتها أفضل وأنجد وأشجع، وأمجد وأسخى وأجود وأخطب، وأنطق وأرأى وأصدق؛ وهذا الاعتبار ينساق من شيء عام لجميع الأمم، إلى شيء شامل لأمة أمة، إلى شيء حاو لطائفة طائفة، إلى شيء غالب على قبيلة قبيلة، إلى شيء معتاد في بيت بيت، إلى شيء خاص بشخص شخص، وإنسان إنسان؛ وهذا التحول من أمة إلى أمة، يشير إلى فيض جود الله تعالى على جميع بريته وخليقته بحسب استجابتهم لقبوله، واستعدادهم على تطاول الدهر في نيل ذلك من فضله" (10).
فالحضارة تتحول من أمة إلى أمة وأراد بالأمة القوم كالفرس، والعرب والروم وذلك بحسب استعداد الأمة، وقدرتها على الاستجابة لنداء الحضارة، وهي عرضة لكل أمة، فإذا جاء زمانها، وتمت الاستجابة قامت الغلبة على ضعفها القديم، وعلى ضدها من الأمم، وفقاً لقوله تعالى: (وتلك الأيام نداولها بين الناس) (11) فتنهار الحضارة عند أمة، وتنهض بها أمة أخرى، فإذا بدأ انحسارها يكون أطواراً، فينحسر الوعي الحضاري من الأمة إلى الطائفة وأراد بالطائفة المجموعة من الناس الذين يجمعهم اجتهاد فكري واحد وينكمش بعد ذلك من الطائفة إلى القبيلة، ومن القبيلة إلى البيت الواحد، ومن البيت إلى الشخص الواحد، ثم يكون التحول إلى أمة أخرى.
ومما جاد به أبو حيان أن الأمم في أوان غلبتها الحضارية تكون متفوقة في القوة المادية بأنحائها كلها، وبالقوى المعنوية بالغة بها تمام العطاء في جميع جهات البناء، فإذا غادرت زمن نهضتها تلاشت هذه المعالم شيئاً فشيئاً على نحو ما سلف.
ومما يلفت النظر أن حركة الاستجابة مرتبطة باستعداد الأمة، وبتوفيق الله لها ببذل المجهود لمعالجة العطاء الحضاري الرباني. وفي قوله استجابة الأمة إشارة ضمنية إلى الرسل والأنبياء، فإذا انقضى زمن النبوة جاء زمن العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وإذا لم يكونوا ظاهرين جاء زمن المصلحين (طوائف، وقبائل، وأسر، وأفراد) حتى لا يبقى إلا القليل من الأفراد، فتنطبق نقطة النهاية على نقطة البداية، فيتوهم المصلحون أن رتبتهم كرتبة الأنبياء، وأن معاودة النهوض ممكنة لمن أخذ بقيم النهوض الأولى في إطار الحنين إلى الماضي، وذلك بمحاكاة حركة النهوض بالانتقال (من الفرد إلى الأسرة، ومن الأسرة إلى القبيلة، ومن القبيلة إلى الطائفة أو الجماعة أو الحزب، ومن الطائفة إلى الدولة، ومن الدولة إلى الأمة الجامعة للقوميات) أو بقيم نهوض أخرى استجابت لها أمم الغالبين في عصرهم، مع جهل الفريقين بحقيقة توفيق الله الأمة لتوجيه الأفراد باستجابة تامة على شيء من العناد والمقاومة لدى بعض أبنائنا ممن مازالوا رهائن السياق الحضاري السابق، مما يعود إلى مقدار استعدادها، أو قدرتها على التقبل.
ففي ضوء هذا الفهم للحضارة ذهب أبو حيان إلى تفضيل العرب على جميع الأمم في حال جاهليتهم، وفي حال استجابتهم للجود الإلهي بحضارة الإسلام (نهوضهم). ودليل ذلك مبثوث على وجه ظاهر في الليلة السادسة من كتاب الإمتاع والمؤانسة، مما يجعل هذه الإشارة كافية.
مما تقدم يمكن للمرء أن يضع في حسابه أن ما قدمه أبو حيان من نقد للطوائف الإسلامية التي يظن أنه قد آل إليها مشعل الحضارة، يقع في إطار الإقرار بالانتقال (السقوط) من وعي الأمة إلى وعي الطائفة المقنعة بقناع الدين تارة، وبقناع القومية تارة أخرى، وبعباءة القبيلة أو العشيرة تارة ثالثة؛ مما يشير إلى رتبة أدنى في الانهيار الحضاري إلى أن يصل السقوط مداه فلا يبقى في إطار الوعي الحضاري سوى عدد من الأفراد الذين تعجز صيحاتهم عن وقف السقوط عند حد من الحدود الدنيا، فماذا قال أبو حيان في كل طور من أطوار السقوط؟ ماذا قال للساقطين؟ وماذا قال للمقاومين في غير زمن الاستجابة؟!
*عرب الجاهلية:
الحديث عن عرب الجاهلية حديث عن أمة تستعد لتقبل الجود الإلهي، والتحول الحضاري من الشتات إلى التوحد، ومن القيود إلى الحرية، ومن الفوضى إلى الالتزام والمسؤولية، ومن هدر الطاقات إلى اجتماعها راية وقيادةً، وفكرة ودعوة، وحركة وانقلاباً شاملاً في الحياة ولها.
فهي صيحة البداية التي تنام عليها نقطة النهاية، وحديث عن أمة العرب بمعنى الجنس، وحديث عن استعداد الجميع للنهوض من الأمة إلى الفرد، ومن الفرد إلى الأمة، من غير أن ينفي ذلك وجود أنصار للمرحلة السابقة ممن تأخر وعيهم باليقظة فلم يهجروا السبات الطويل إلا متأخرين، أو ممن لم يجدوا في أنفسهم قدرة على الاستجابة لنداء الجود فكانوا من المحرومين نعمة الوعي الحضاري.
إن الحديث عن العرب ونصرة أبي حيان لهم في جاهليتهم وإسلامهم يتناول العرب دولاً وأمماً، وشعوباً، وقبائل، وأفراداً، ولغةً، وتاريخاً، وعقيدة وشريعة، مما يحتاج إلى موسوعات تسع هذا الرصيد الضخم في كل جهة من جهات القوة والضعف. ويكفي هنا الإشارة الدالة إلى حديث أبي حيان عنهم موازناً بين العرب والأمم الأخرى في الجاهلية، فساق للوزير البويهي ثناء ابن المقفع الرجل الفارسي على عرب الجاهلية، وقد تساءل في سوق المربد: أي الأمم أعقل؟!! فظنه الحاضرون يريد الفرس، فلم يجد إجابة شافية عندهم، فردوا الأمر إليه، فأجاب:
((قال: العرب... ف والله لوددت أن الأمر ليس لكم ولا فيكم، ولكن كرهت إن فاتني الأمر أن يفوتني الصواب، ولكن لا أدعكم حتى أبين لكم لم قلت ذلك؛ لأخرج من مظنة المداراة، وتوهم المصانعة: إن العرب ليس لها أول تؤمه، ولا كتاب يدلها، أهل بلد قفر، ووحشة من الإنس، احتاج كل واحد منهم في وحدته إلى فكره ونظره وعقله.
وعلموا أن معاشهم من نبات الأرض فوسموا كل شيء بسمته، ونسبوه إلى جنسه، وعرفوا مصلحة ذلك في رطبه ويابسه، وأوقاته وأزمنته، وما يصلح منه في الشاه والبعير.
ثم نظروا إلى الزمان واختلافه فجعلوه ربيعياً وصيفياً، وقيظياً وشتوياً، ثم علموا أن شربهم من السماء، فوضعوا لذلك الأنواء؛ وعرفوا تغير الزمان فجعلوا له منازله من السنة؛ واحتاجوا إلى الانتشار في الأرض، فجعلوا نجوم السماء أدلة على أطراف الأرض وأقطارها، فسلكوا بها البلاد؛ وجعلوا بينهم شيئاً ينتهون به عن المنكر، ويرغبهم في الجميل، ويتجنون به على الدناءة، ويحضهم على المكارم؛ حتى إن الرجل منهم وهو في فج من الأرض يصف المكارم فما يبقي من نعتها شيئاً، ويسرف في ذم المساوئ فلا يقصر؛ ليس لهم كلام إلا وهم يحاضون على اصطناع المعروف، ثم حفظ الجار، وبذل المال، وابتناء المحامد. كل واحد منهم يصيب ذلك بعقله، ويستخرجه بفطنته وفكرته فلا يتعلمون ولا يتأدبون، بل نحائز مؤدبة، وعقول عارفة؛ لذلك قلت لكم: إنهم أعقل الأمم، لصحة الفطرة، واعتدال البنية، وصواب الفكرة، وذكاء الفهم)) (12)
فأبو حيان يقر القاعدة الكلية التي ينبغي أن تكون أصلاً للتفاضل بين الأم، ألا وهي العقل، وجاء بالأدلة التي تؤكد تعقل العرب، وتبين الجود الإلهي الذي جعل العرب في ظروف مكانية ومناخية وإنسانية تعينهم على استعداد لتلقي مكارم الأخلاق، التي نادت الحضارة العربية الإسلامية بها، فقد اهتدى العرب قبل الوحي إلى أولياتها، وتطلعت أنفسهم وأشواقهم إليها، فلما نادتهم الرسالة أسرع أهل اليقظة منهم إليها.
أعان العرب على الاستعداد للانتقال من طورهم الحضاري القديم إلى الطور الجديد الشرط الحضاري الذي كانوا يعيشون فيه، فهم أمة ليس لها تاريخ حضاري شامخ فوق الأرض كآثار الفراعنة أو اليونان أو الرومان ليقتدوا بها، وليس لهم كتاب سماوي ليهتدوا به كاليهود والنصارى، وكانت استجابتهم للرسالات السماوية قبل الإسلام نادرة، ولم تكن عامة، وليس لهم كتاب بمعنى العلم المقيد في القرطاس، ليعودوا إليه كلما اعتاص عليم شأن من شؤون حياتهم كاليونان، وهم فوق ذلك أهل بلد قفر يمتنع فيها قيام العمران. والمدنية تتبع العمران، لانتفاء شروط قيام الحضارة الأساسية، وأولها الماء والنبات والتربة الخصبة التي تكون مثابة للناس، وبها تقوم الحضارة، وليس من هذه الشروط ما يكفي للنهوض الحضاري.
فمن هذه الرؤية تعلو قيمة العلوم عند عرب الجاهلية. فهم عرفوا أن معاشهم من نبات الأرض فقاموا بتسمية النباتات، وتصنيفها، وعرفوا ما يكون غذاء وما يكون دواء لهم أو لأنعامهم ما كان رطباً منه أو يابساً. ومن علومهم ما يدعى علوم الفلك في تقسيم السنة إلى فصول، ومعرفة الكواكب والنجوم، واستخدامها علامات هادية لهم على الأرض، وهي في السماء، يضاف إلى ذلك إدراكهم للشيم الحميدة والمكارم على انقطاع الحياة بهم في ذلك المكان القفر.
فسرد أبو حيان على لسان ابن المقفع هذه الظواهر، وهي التي أحوجت كل واحد منهم إلى إعمال فكره وعقله للخلاص بنفسه وبمن حوله ممن يعول، مما هم فيه من ضيق، وهذا من باب جود الله لتهيئتهم لتقبل النهوض الحضاري القادم، فقال مبيناً ذلك ومسوغاً لتعقلهم بقوله في كل واحد منهم: (يصيب ذلك بعقله، ويستخرجه بفطنته وفكرته، فلا يتعلمون ولا يتأدبون بل نحائز مؤدبة وعقول عارفة.. لصحة الفطرة واعتدال البنية وذكاء الفهم). فهما جانبان جانب ذاتي اختياري وآخر فطري يتعلق بالجبلة (نحائز مؤدبة) وليست مكتسبة بالتعلم كما في يونان مثلاً، وعقول عارفة بغير كتاب يهديها كأمم أهل الكتاب، لكنها صحة الفطرة واعتدال البنية مما يأتي به التوفيق الإلهي بتأثير البيئة، وإلحاح الحاجة، وذكاء الفهم.
ودفع أبو حيان شيئاً من حجج الشعوبية التي جاء بها الجيهاني فقال أبو حيان فيه: ((وهو يسب العرب، ويتناول أعراضها، ويحط من أقدارها، ويقول: يأكلون اليرابيع والضباب والجرذان والحيات.. قال: ولهذا كان كسرى يسمي ملك العرب: (سكان شاه) أي ملك الكلاب، قال: وهذا لشدة شبههم بالكلاب وجرائها، والذئاب وأطلائها، وكلاماً من هذا الصوب)) (13)
هذا قول منسوب لكسرى يذم أكل العرب، وأوطانهم، ويشبههم بالكلاب والذئاب، وهو كلام يتناوله أبو حيان بالمعالجة العلمية، إذ يقول: ((أتراه لا يعلم لو نزل ذلك القفر وتلك الجزيرة وذلك المكان الخاوي، وتلك الفيافي، والموامي كل كسرى في الفرس، وكل قيصر في الروم، وكل بلهور كان بالهند.. ما كانوا يعدون هذه الأحوال؛ لأن من جاع أكل ما وجد.. حباً للحياة وطلباً للبقاء)) (14).
فالضرورة التي تهدد حياتهم وبقاءهم دفعتهم لأكل أكلوا، ولو أن ملوك العالم وضعوا في بيئات العرب ما فعلوا أكثر مما فعله العرب. وإذا تغير شرط الضرورة فللعرب شأن آخر، يكشف عنه أبو حيان بقوله:
((على أن العرب رحمك الله أحسن الناس حالاً وعيشاً إذا جادتهم السماء، وصدقتهم الأنواء؛ وازدانت الأرض فهدلت الثمار، وطردت الأودية، وكثر اللبن والإقط... وفكوا الأسرى... وتنافسوا المعروف... على جاهليتهم الأولى والثانية) (15)
هنا يكون موضع التفاضل عند القدرة على الاختيار، وليس في مواضع الاضطرار التي أشار إليها الشعوبيون، وهنا أيضاً تبرز مدنية العرب في الجاهلية، وهي المدنية التي كانت وعاء لاحتواء حضارة الرسالة الخاتمة.
ويرصد أبو حيان حال العرب عندما جاء وقت نهوضهم الحضاري، بقوله: ((وقد رأيت حين هبت ريحهم، وأشرقت دولتهم بالدعوة، وانتشرت دعوتهم بالملة، وعزت ملتهم بالنبوة، وغلبت نبوتهم بالشريعة، ورسخت شريعتهم بالخلافة، ونضرت خلافتهم بالسياسة الدينية والدنيوية، كيف تحولت محاسن جميع محاسن الأمم إليهم؟ وكيف وقعت فضائل الأجيال عليهم من غير أن طلبوها وكدحوا في حيازتها، أو تعبوا في نيلها، بل جاءتهم هذه النوادر من المآثر عفواً، وقطنت بين أطناب بيوتهم سهواً رهواً، وهكذا يكون كل شيء تولاه الله بتوفيقه، وساقه إلى أهله بتأييده، وحلى مستحقيه باختياره، ولا غالب لأمر الله، ولا مبدل لحكم الله...)) (16)
وهذا يؤكد حقيقتين: الأولى أن الله عز وجل يعرض الحضارة على الأمم، فمن تخيرها وكان قادراً (قدرة الاستعداد والطاقة والاجتهاد) على حمل مشعلها، ومستجيباً لمقتضياتها جاءته الحضارة فبدت للآخرين شراً أريد بالعرب، وكان مقدمات لخير كثير جاد به العرب، وجاءهم بهذا الاستحقاق وهذا الاختيار منهم ولهم، وبهذا الفضل وقعت محاسن الأمم عليهم التمسها المؤرخون برحم الفاتحين العرب، والتمستها الأمم بالفضائل التي كانت من فضائلها محمولة في قلوب الفاتحين وسلوكهم. وهذا يدل على حسن اختيار العرب حملة الرسالة، فقد أخذوا فضائل الأمم أي حضاراتها (المدنية) ولم يأخذوا كل ما وقع تحت أنظارهم؛ ذلك أن الحضارات القديمة فيها فضائل تحمي بقاءها خالدة، وفيها أمراض وعيوب تحمل عوامل فنائها، فاجتنب العرب بداية عوامل الفناء، وتعلقوا بعوامل البقاء فدام سلطانهم زمناً طويلاً، وزال عنهم عندما أخذوا بعوامل الفناء، ولا معنى لقول الجيهاني:
((مما يدل على شرفنا وتقدمنا وعزنا وعلو مكاننا، أن الله أفاض علينا النعم، ووسع لدينا القسم، وبوأنا الجنان والأرياف، ونعمنا وأترفنا. ولم يفعل هذا بالعرب، بل أشقاهم وعذبهم، وضيق عليهم وحرمهم، وجمعهم في جزيرة حرجة... وبهذا يعلم أن المخصوص بالنعمة والمقصود بالكرامة فوق المقصود بالإهانة)) (17) فقد غاب عنه أن هذا الأمر كان باباً لتحريك العقول وزيادة الفطنة، ولم يكن كما يقول أبو حيان مقياساً للتفاضل بين الأمم من جهة أنه لا اختيار فيه، و((أن المدار على العقل الذي من حرمه فهو أنقص من كل فقير، وعلى الدين الذين من عري منه فهو أسوأ حالاً من كل موسر...)) (18)
فأبو حيان يرى أن التفاضل إنما يقوم في الأمور الاختيارية، وليس فيما لا خيار للإنسان فيه، فليس في انتماء الإنسان إلى عرق من عروق البشر فضيلة في نفسه؛ لأنه لم يتخير عرقه بنفسه بل أكره عليه، وليس الإنسان متخيراً وطنه قبل أن يولد، بل كان ذلك من الاضطرار، وليس من جهة الاختيار، فأبطل التفاضل فيما لا اختيار فيه، وأرسى مفهوم التكيف مع البيئة التي يوجد فيها الإنسان، وجعل الفضل يعود إلى حسن التدبير في سبيل الحفاظ على تيار الحياة، بالتماس قوانين البقاء.
بهذا القول يتبين أن العرب في الجاهلية كانوا يصنعون بقدر الله لتلقي مشعل الحضارة، وأنهم هبوا في كل جهات القيم المادية والمعنوية، جمعوا فضائل الأمم من الحضارات التي عرفوها قبل الرسالة، أو التي غلبوا على قيادها بالفتح، فروح الخير واحدة من أي جهة أتت، وأبو حيان لا يفرق بين الأمم وحضاراتها على طريقة الشعوبية. واصل نظرته مبني على المساواة بين الأمم (19). وقوله في الأمة الناهضة يقع على دولة الرسول ودول الخلفاء الراشدين. مما يقتضي الحديث عن دولة بني أمية على أنها دولة هبة لاحقة لكنها تعد من أواخر هبات الحضارة العربية التي فجرتها دعوة الرسول، فكيف نظر أبو حيان إليها؟ وهل هي طور من أطوار الانتقال من وعي الأمة على وعي الطوائف والقبائل؟ هل كانت ذروة اكتمال البناء، أو أنها كانت خطوة في الانتكاس إلى الوراء، وبذرة داعية إلى الفناء؟ هل كانت طوراً ممهداً للانهيار والسقوط؟ وهل تسقط الحضارة بانهيار الدولة؟ أين تقع الدولة الأموية في المقياس الحضاري لأبي حيان؟ متى ترتفع قيمتها الحضارية؟ ومتى تسقط قيمتها التاريخية؟